Uncategorized · مراجعة كتاب · شخصية من رواية

شخصية من رواية (12): عن الكلب باك أتحدّث

مرحبا.. أتمنى أنكم بخير حال

قرأت هذا الاسبوع رواية قصيرة للمؤلف الأنجليزي جاك لندن، من دار التنوير. الرواية شخصيتها الرئيسية هو كلب – أكرمكم الله – وما يُعانيه في حياته بعد تبدّل ظروفه وطريقة معيشته. أتمنى لكم قراءة ماتعة.

مراجعة الرواية

هي رواية قصيرة تتحدث عن الكلب باك – أكرمكم الله – متمدّن وهانيء العيش كملك في كاليفورينا مع القاضي ميللر وأبنائه وأحفاده، ينال راحته ومستلقٍ طوال يومه تحت رعاية الخدم، إلى أن باعه البستاني ذات ليلة لرجال رُحّل إلى الشمال في ألاسكا حيث البرد القارس والتعب الشديد والقسوة في المعاملة وقلّة الطعام، والتنقّل من راعٍ لآخر. تأتي الرواية في 142 صفحة فقط، من ترجمة مها محمود صالح، من دار التنوير. مسلية ماتعة تناسب كل متسويات القراءة والمبتدئين أولى.

استمتعت بالقراءة مع الترجمة الممتازة من الأستاذة مها محمود صالح – لم أجد حسابها على تويتر لأشكرها- واختيارها للكلمات والأفكار المناسبة، ويمكنكم إلقاء نظرة على بعض فصول الكتب المصورة تحت هذه الفقرة، وزادت متعتي في القراءة وسهّلت علي الدخول في القصة مع ترجمتها المتميزة. تعود بي الذاكرة لتذكّر قراءتي لمترجم متميز (أ/ عبدالحميد الحسن) مع كتاب تحية إلى كاتالونيا لجورج أورويل (للإطلاع: مراجعة كتاب تحية إلى كاتالونيا لجورج أورويل) يجمعهما ترجمتهم المتميّزة وأني أتعرّف عليهم لأول مرة.

يطرح المؤلف بعض الأفكار في الرواية، كفكرة الغريزة، وفكرة البقاء للأقوى، والصداقة والوفاء التي ستتبيّن لكم في الفقرات التالية.

اقتبـاسات

اكتشف فرانسوا أنه عندما تنبأ بمهارة باك فإنه لم يوفّه حقّه، فقد أجاد القيام بواجبات القيادة، أثبت باك أنه متفوّق على الجميع، حتى سبيتز الذي طالما اعتقد فرانسوا انه لم يرَ له ىمثيلًا.

فهو يعلم أنه لا فائدة من محاولة صرف الأحمق عن حماقته، فالحماقةُ أعيت مَن يُداويها. على حين لن يتغيّر العالم كثيرًا إذا زاد الحمقى قليلًا أو حتى نقص منهم اثنان أو ثلاثة.

تميّز الكلب باك بدهاء الذئاب، بالإضافة إلى التجربة التي عاشها في أقسى مدارس الحياة جعلتهُ كائنًا هائلًا!

لم تحظَ الكلاب بنصف حياة، لا، ولا رُبع حياة، بل لم تكن سوى جوّالات يتكدّس في كلٍ منها مجموعة من العظام وشرارة حياة ترِفُ في خفوت.

لقد داهمه -باك- شعور غامض بخطرٍ وشيك، وازداد ذلك الشعور قوة، وهو يشدّ الزلّاجة في اتجاه ضفة النهر، ثم لم يغب عنه أبدًا.


شخصيـة الرواية الرئيسيـة

الكلب باك – أكرمكم الله – كان خليطًا بين نوعين من قبائل الكلاب الفاخرة، فوالده من قبيلة سان برنارد ووالدته من الراعي، وكان خِطمه طويلًا مثل خطم الذئاب وحجمه أكبرُ منهم، ورأسه أضعاف حجم رؤوسهم. وتميّز – لاحقًا كما سنقرأ- بدهاء الذئاب الجامح، وقدرته على الاستجابة السريعة بسرعة البرق للمشاهد والأصوات والحوادث التي تتطلب تصرّفًا سريعًا، وسرعته أضعاف سرعة أي كلب من نوع هاسكي.

تجارب باك وانتقاله من عالم الراحة إلى عالم الكدّ استعاد خلالها مميزات أسلافه الذئاب، وأساليبهم القديمة في القتال التي ورِثوها، وصارت تصدُر عنه بتلقائية وبلا مجهود، كأنها كانت دائمًا هناك كما يقول الراوي. وصار يُصدر نياحًا طويلًا يشبه عواء الذئاب، هذا العواء الذي يمثّل مخاوفه: السكون والبرد والظلام.


ــــ شخصيات الكلاب الثانويـة

كانوا كُثر وسأستثني منهم القليل في الحديث، ألتقى باك في أول عربة أؤمر بجرّها بمجموعة حوالي الخمسة، كان قائدهم سبيتز الطامِع بالقيادة والشرِس والمعلّم الصارم مع الكلاب الجُدد والذي لا يُحب أن ينافسه أحد على مركزه، وإن اشتمّ رائحة منافسة من أحدِ الكلاب أعلن عليه الحرب، وأكثر عليه المُضايقات وتجهّز للهجمة القاضية التي تُردي مُنافسه صريعًا، وهذا بالضبط ما حصل مع باك، حتى أتى يوم القتال المنتظر بينهما. إن أحسنت التشويق فأخبروني.

كان سبيتز هو الأشرس، أما الكلاب الآخرين فكانوا أقلّ منه، فمثلًا سول- لكس (الملقّب بالغاضب) الكبير في السن المنكمش على نفسه، والذي عَميت إحدى عينيه وغي عينيه الأخرى لمعة تدفعك لاحترامه كما يقول الراوي، وقد تعلّم في جسده الكثير من آثار الحروب التي عاشها قبل أن يلتقيه باك، وديف المعلم الثاني مع سبيتز الذي لم يهتم بشيء أبدا سوى الأكل والنوم، لا يطمح للقيادة ولا للتقرّب مع الكلاب، بل ولا ينفّر الكلاب منه وفهِموا أنه لا يحبّ أن يقترب منه أحد.

كان باك فائق الدهَاء، وهو قادر على تحيّن الفرصة المناسبة بصبرٍ لا شكّ في أنه متغلغلٌ في فطرته.

وكيلي الكلبة اللطيفة – كما أسمها الراوي أو باك – التي كانت ضحيةَ بائسة لمحاولتها التقرّب للكلاب الأخرى، وكانت درس باك الأول بعد انتقاله للعالم الجديد أن لا يتقرّب للكلاب ولا يفكّر في معاركتهم، وبايك اللّص المتمارض دائمًا ليتهرّب من جرّ العربات والذي تعلّم منه باك سرعة التهام الطعام والسرعة في سرقته من الآخرين. وأخوين متناقضين هما بيللي وجوّ فقد كان الأول طيبًا والآخر انطوائيٌ يميل للشراسة ويرتسم الشر في عينيه.


ــــ شخصيات الرعـاة

بعد افتراق باك عن راعيه الغارق في تدليله، كان راعيه الأول فرانسوا الأسمر البشرة من السكّان الأصليين ورفيقه بيرو الكبير في السن، أدرك باك بعد اللحظة الأولى معهما بأنها لطيفان وفطِنان ويعتنيان بالكلاب – أكرمكم الله – خير عناية، وأنهما يُحسنان ممارسة العدل بينهم، وأمضَى معهم فترة سعيدة ومُريحة برغم التعب، ولاحقًا حزِن فرانسوا وبكَى لِفراق باك.

ثم انتقل مع بقية الفريق الأول من الكلاب إلى الرعاة تشارلز وهال ومرسيديس، الذين كانوا الأسوء في العناية بالكلاب والسفر عبر الثلوج، وحتى اختيار المتاع المناسب للرحلة، ومِن المحزِن المُضحك قليلًا عانى باك ورِفاقه من الشبع الزائد أيامًا ومن الجوع أيامًا إذا لم يُحسن الرعاة الجُدد تقسيم طعام الكلاب بالشكل الجيّد الذي يُساعدهم على العمل، وتسبّبوا بزيادة أحمالهم وبإرهاق الكلاب إلى مستوى خطير للغاية.

ثم انتقل للسيد الرحيم – كما يُسميه الراوي أو باك – ثورنتون، الذي رحِم حاله ودافع عنه دون ضربه من أحد الرجلين وأخذه منهم ليعتني به، فكان رجلًا رحيمًا محبًا لباك كثيرًا، تعلّق به باك وجعله لا يُغادر عينيه خوفًا أن يفقده كما فقد السابقين، ساعده في استعادة صحته ووزنـه الذي فقده جرّاء الجرّ والسفر الشاق وقلّة الطعام، ارتبط معه بعلاقة خاصّة بها يفهمانها بنظرة أو حركة أو لمسة. عاش معه فترة طويلة، حتى فاجأه ذات يوم نداءٌ من داخل الغابة ويلتقي بمجموعة من الذئاب أبناء عمومته. وأخلصَ باك لسيده الأخير كثيرًا.

أدرك باك أنه هُزِم، لكنه لم ينكسر. لقد تعلّم أنه لا فرصة له للفوز في مواجهة رجل في يده هِراوة، ولم ينسَ ذلك الدرس طيلة حياته.


كل فكرة بفقرة ــــ أناقش معكم بعض أفكار الرواية
  1. فكرة نقطة النشوة.
  2. فكرة التكيّـف
  3. فكرة سرعة التعلّم
  4. فكرة حب السيطرة في عالم الكلاب
  5. فكرة التعلق الشديد بالصاحب

تُناقش الرواية في جزء قصير فكرة نقطة النشوة، أن لكل كائن حيّ نقطة نشوة تمثّل له الحياة ومصدرًا أساسيًا لاستقراره، ويصل إليها الإنسان – نعم هُنا انتقل للإنسان برغم أن الكلاب هي محور الرواية – في مرحلة أو فترة يظنّها إلى حدِ ما اكتمال حياته.. عندها يعرِف لحظة هذه النشوة. حسنًا ربّما يعبّر هنا عن لحظة الشغف التي يذهل منها الرسّام -مثلًا- عند رسمه لأفضل لوحة، وكما عبّر عنها للكلب باك في انطلاقه كانطلاقة كلب سعيد وقويّ، لا مثيل له.

وفي فكّرة التكيّف ففيها سُلّط الضوء على تكيّف باك وطبيعته الغريزية التي عاد إليها بشكل تلقائي، ولم يُبطيء أو يتباطأ في تعزيز مهاراته لحياة الغاب، حتى لاحظ راعيه فرانسوا مهاراته العالية المتمثلة في سرعته وقفزته العالية وقوته ونشاطه في جرّ العربات، وأخذ بعض الوقت في تعلّم قوانين الغاب وبخاصة الجزء الخاص بالكلاب – محورّ حديثنا – إذ راقب رِفاقه وأدرك أنهم يتحمّلون الكثير في ظل الحياة القاسية التي يعيشونها في المناطق المتجمدة، وأنهم يتخطفون أطعمة بعضهم وأن طعامه مخطوف إذا لم يُسرع إلتهامه، ويُلحِقون الأذى بكل كلب يُريد التعرّف أو التقرّب من منطقة بعض الكلاب الشرِسة، وتعلّم كيف يتخذ المكان المريح والدافئ في ظل الظروف الشتويّة القارصة كما يفعلون.

أدرك باك الدروس القاسية التي يأخذها عن المعلمَيّن الصارمين ديف وسبيتز متخذان عدم التساهل أمام أي خطأ يصدر عن باك، وتأديبه بطريقتهما القاسية التي لم توضّح ويبدو أنه خاصة بالكلاب فقط، فصار يتجنب الأخطاء ويُسرع للإصلاح عند اقترافه أي خطأ تفاديًا للعقاب منهما. بشكل واضح يتبيّن أنهما أحسنا تأديب باك وربّما سرّعا عملية تكيّفه على أسلوب الغاب.

عندما عايش باك بعض الكلاب في أول عربة جرّها معهم، ذكرت لكم عن الكلب سبيتز المسيطر على المركّز، كان باك يطمح بذاك المقعد ولا يستخدم أساليب غريمه سبيتز، بل كان نوعًا أذكى وأقلّ عنفًا إذ يتصف بالتريّث والسرعة البديهية وحسن التخطيط للهجمة القاتلة، ولا يدع شيئًا يحول بينه وبين المركز القيادي الذي يرغب به، ويتمسّك بصفة الصبر والدفاع عن نفسه والعِناد. وأُلقب نوعه بالمتريثون أو المُدافعون ربّما هناك تسمية أفضل.

عندما انتقل باك للعيش مع الراعي جون ثورنتون وأحسن رعايته وساعده على استعادة صحّته، إضافةً إلى طيبته تعلّق به باك أشدّ التعلّق، برغم وجود رفيقين للسيد وكلبين آخرين ــ فقد كانت علاقتهما خاصة للغاية وكما أظهرا لبعضهما الحبّ، وتعبيراته المفهومة بينهما، فكان باك يحملق فيه -ربّما هو التعبير الأفضل- طوال الوقت في حركته ومشيه ونومه بنظرات متمعّنة بالرقّة والحب الكبيرين، وساهم باك في إنقاذ سيده مرات إحدهما على إثر قُرب سقوطه في منزلق ثلجي، وأصدر نباحًا أو صياحًا متأثرًا لم يصدر عنه من قبل.


فيالحقيقة استمتعت جدًا في كتابة التدوينة، أتمنى أنها أعجبتكم. شاركوني تعليقاتكم الجميلة. اشتركوا في المدونة حتى تصلكم التدوينات الجديدة أول بأول.

انضمام 1٬728 من المتابعين الآخرين

8 رأي حول “شخصية من رواية (12): عن الكلب باك أتحدّث

  1. صحيح جدا اسماء مع ان طريقة تعلم باك كانت قاسية لكن على الاقل اصبح يصلح اخطاءه بسرعة اليس كذلك؟ موفقة في كتاباتك.
    لقد تعرفت من جديد على مدونتك اللطيفة.

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s